ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) ، واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ، وهو الذي اسود وتغير؛ لطول المكث، ومرة قال: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) ، والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.
ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البئر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الفخار: الذي طبخ.
فجائز أن تكون هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء ترابا، ثم صار لازبا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود؛ لطول المكث، وصلصالًا لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.
وتشبيهه بالفخار يحتمل وجوهًا:
أحدها: لتكسره ويبسه.
أو لأنه كان ذا جوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له هذه الصفات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ(15)
ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجان: الجن.
وقوله: (مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: المارج: هو لهب النار صافيًا لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التهبت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) إذا خلط وجمع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: (مِن مَارِجٍ) ، أي: من خلط من النار.