وفي هذا السياق جاء هذا القول"إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى {في جَنَّاتٍ وَنَهرِ} . قال الفراء: الأصل أنهار وإنما وحِّد لأنه رأس آية". لأن حرف الراء ظهر إفرادياً من بداية السورة، الشيء الذي جعل منظومة النص القصصي تخترق قاعدة صرفية، بغية تحقيق الانسجام الإيقاعي الذي عليه كل السورة، فبدل جمع كلمة (أنهار) أفردتها. لأن الاحتفائية القرآنية تكون للجمالية التي يعرضها النص، ولا تحفل بالجانب الصرفي أو النحوي على حساب الجانب الفني. من هنا اغتدى الإيقاع -في السرد القرآني - أكبر من الصرف.
فإذن. التكرار تم في تسعة مقاطع في قصتنا القصيرة، ومع ذلك حافظ على إيقاع السورة العام. ولعل ذلك راجع إلى إعجازية النظم القرآني بحيث فيه"تختلف الألفاظ ولا تراها إلا متفقة، وتفترق ولا تراها إلا مجتمعة، وتذهب في طبقات البيان وتنتقل في منازل البلاغة وأنت لا تعرف منها، إلا روحاً تداخلك بالطرب وتشرِّب قلبك الروعة".
ونحن -رغم التكرار الذي يشي به السرد الإنشادي - لا نجد إلا عذوبة ومتعة، كلما رمنا إلى القراءة، على حين لو كان الأمر متعلقاً بنص أدبي وضعي، لداخلتنا الرتابة سواء علينا أشعرنا أم لم نشعر، لأن"العقل لا يمكن أن يتقبل أصواتاً متتابعة بانتظام دون أن يضفي عليها نوعاً من التجمع في وحدات، إذا لم تكن الأصوات تنتظم في مجموعات واضحة تلقائياً منذ البدء".
فأصوات هذه الآيات المكونة لقصة هود، نجدها منتظمة منذ البدء. ولكن العجب يكمن في كون العبارة المكررة طويلة، ومع ذلك حافظت على النسق الإيقاعي وأحدثت توازناً صوتياً، وذلك بإقحام حرف الراء الذي كان يحكم هذا التوازن لأن"التوازن الصوتي وحده جيد، ولكن أجود منه أو أكمل له أن تكون صورة التوازن تامة باشتراك حرف واحد في فواصل كل وحدة".