فلقد بلغ الترابط العضوي بين هذه الجمل الإنشادية العشر، حداً رائعاً يثير الإحساس ويفجر المتعة بالمدهش، ذلك"بأن مثل هذه السيرة الإيقاعية لم تحدث من القوة والتماسك والتوحد إلا في هذه الوحدة من النص، وهي إنما كانت من أجل تجديد النفس الإيقاعي في جملة".
إذن السردية الإنشادية -كما لاحظنا - تظهر في كثير من سور القرآن الكريم.
وعسى أن يكون هذا ما قصده كمال أبو ديب حين سمى هذه الظاهرة بالتتابع الإيقاعي الذي هو"جزء من البنية الإيقاعية للشعر العربي وأنه تركيب إيقاعي يروق بعمق للأذن العربية، وينبع من المكوّنات الإيقاعية في اللغة، ويتبلور في تشكيلات إيقاعية كثيرة".
النموذج المنتخب:
إن النموذج الذي انتخبناه تطبيقاً للسرد الإنشادي، هو قصة هود الموجودة في سورة القمر. وهي أقصر قصة قرآنية -فنياً - على الإطلاق.
تتشكل البنية السردية للعبارة المكررة في هذه القصة من ثلاث فونيمات:
{فَكَيْفَ كانَ عَذَابِيَ ونُذُر، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرآنَ لِلذّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدكِرِ} .
ومن الغريب أن مثل هذه اللازمة ترافق القص القرآني فقط، أما في السياقات العادية فلا لازمة توجد.
غير أن علة ذلك، فنية بحتة لأن القصة تنهض على السرد والسرد بدوره يحتاج إلى النفس الطويل، ولما كان جنس القصة يخضع للتنوع في الأحداث والشخصيات استلزم وجود اللازمة التي سيقت لأجل المحافظة على المدد السردي ولتضفي عليه جمالية نغمية، الأمر الذي جعل متعة متابعة القصة متجدِّدة. مثلُ هذا كمثل عميد الفرقة حين يقف كاللازمة ليشرف على المقطوعة الكلاسيكية التي تنطلق بوتيرة متنوعة لتتقاطع على إشارته المشكلة لعلامة"X".
إن السردية الإنشادية، ربما تكون مجرد حيلة فنية يلجأ إليها النص القرآني لشد قرائه ولزرع المتعة في نفوسهم. وبهذه التقنية الحداثية يشرك القارئ في تجليات مكامن النص بدءاً بقراءته.