وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {موتوا قبل أن تموتوا} كانت إلى هذه الحقيقة {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} [القمر: 9] ؛ يعني: القوى القالبية والنفسية كذبت اللطيفة النفسية المستخلصة عن الكدورات المطهرة عن القاذورات، المرسلة بالآيات البينات، {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} [القمر: 9] ؛ يعني: تلك القوى كذبو اللطيفة المأمورة المطهرة النفسية بما بلغت إليهم من الآيات البينات الأنفسية في بداية السلوك، {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِر} [القمر: 9] ؛ يعني: ازدجر بين عشيرته القربية؛ وهي القوى النفسية، فصار مجنوناً، وشاهدت هذا الحال في بداية أمري؛ إذ نسبني إلى الجنون والدي وعمي وجميع أقربائي وأحبائي، فلما اشتغلت بالذكر الخفي القوي ظهرت لي في الليلة الأولى شرارات نيران منورة من صدري حتى لحقت بالسماء، فلما فتحت العين وأبصرتها معاينة قلت في نفسي: إن الذين يقولون في حقي صدق، ما هذه المعاينة للشرارات في ظلمة الليل في جوف البيت المظلم إلا من فساد جذب في الدماغ؟ والقوى المكذبة النفسية يخوفوني ويمنعونني عن الذكر، والقوى الشيطانية يشككوني في مشاهدة الآية البينة وقلبي كان غير ملتفت إلى أقوالهم، مشتغلاً بالذكر حتى طلع الصبح، فلما خرجت من البيت ودخلت المسجد لصلاة الجماعة ظهر فوق سجادتي وعن يميني، وعن قبلتي كواكب درّية لا تحصى، فخفت عنها في الظاهر وأنست بها في الباطن، والقوى المشكلة الشيطانية والقوى المكذبة النفسية أيضاً يشوشونني ويأمرونني بترك الذكر، وأنا روعان من ألسن الناس أن أقفوه بما أشهده وأعاينه، وهذه المشاهدة حصلت لي أول ليلة اشتغالي بالذكر الخفي القوي، على وفق مذهب مشايخنا - قدس ألله أرواحهم - وكنت قبل هذه الليلة مشتغلاً بكثرة الأوراد المأثورة، والأذكار اللسانية من أنواع التسبيحات والتهليلات، والتكبيرات والتحميدات، والصلاة والسلام، وكثرة الركعات والسجدات في الصلاة، وبالمجاهدات