ومعنى قوله {قَابَ قَوْسَيْنِ} قدر قوسين عربيتين عن ابن عباس وعطاء ، والقاب والقيب والقاد والقيد عبارة عن مقدار الشيء ، ونظيره من الكلام زير وزار . قال صلى الله عليه وسلم"لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدينا وما فيها".
وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس ، وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشدّ عليه السير الذي يتنكّبه صاحبه ، ولكل قوس قاب واحد ، فأخبر أنّ قرب جبرئيل من محمد صلى الله عليه وسلم عند الوحي كقرب قاب قوسين.
وقال أهل المعاني: هذا إشارة إلى تأكيد المحبة والقربة ورفع المنزلة والرتبة ، وأصله أنّ الحليفَين والمحبَّين في الجاهلية كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد والوفاء خرجا بقوسيهما والصفا بينهما يريدان بذلك أنّهما متظاهران متحاميان يحامي كل واحد منهما عن صاحبه.
وقيل: هذا تمثيل في تقريب الشيء من الشيء ، وهو مستعمل في أمثال العرب وأشعارهم ، وقال سفيان بن سلمة وسعيد بن جبير وعطاء وابن إسحاق الهمداني: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} قدر ذراعين ، والقوس: الذراع يقاس بها كل شيء ، وهي لغة بعض أهل الحجاز . {أَوْ أدنى} بل أقرب.
وقال بعض: إنّما قال {أَوْ أدنى} ؛ لأنه لم يردْ أن يجعل لذلك حدّاً محصوراً.
وسئل أبو العباس بن عطاء عن هذه الآية فقال: كيف أصف لكم مقاماً انقطع عنه جبريل وميكائيل وإسرافيل ، ولم يكن إلاّ محمد وربّه؟ وقال الكسائي: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} أراد قوساً واحداً كقول الشاعر:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَقَيْنِ مَرْتَيْنْ ... قطعته بالسّمْتِ لا بالسّمْتَيْنْ
أراد مهمهاً واحداً.
وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: {فتدلّى} فتدلّل من الدلال كقولهم: (تظني بمعنى تظنن) وأملى وأملل بمعنى واحد.