من تتبع النظر على استقصاء في هذه الجملة من لدن قوله: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(37) . إلى قوله: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى(56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) .
وأضاف إليها قوله - جل قوله: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ
حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) . إلى قوله: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(4) .
وأضاف إلى ذلك قوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي
قَدَّرَ فَهَدَى (3) . إلى آخر السورة.
وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدُونِ (25) .
وتابع التفكر والتدبر وأضاف إليهن أمثالها من آي القرآن ومعانيه، فكأنما قرأ
التوراة والإنجيل والزبور والفرقان المنزل على كل نبي وكل صحيفة، وسيشرف من
ذلك على عمد الكتب والصحف المتقدمة ويقف على جوامعها ومعاقد تنزيلها، ولا
يفوته منها سوى ضرب أمثالها المضروب بها، وأما ما جعلت له وضربت أمثالاً من
أجله فقد أشرت عليه، وزيادة إعلام لسياق أنواع الخطاب ونحو هذا، فإن القصص
تتكرر في القرآن المرتين والثلاث، ولا يخلو كل قصص منها من مزيد علم وإعلام
بأمر وإلا فما كأن يكون فائدة تنوير القرآن وتدبره.
وقد مضى في سورة الأعراف أن الله - جل قوله وتعالى جده - يقول:(وَكَتَبْنَا
لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)وقال بعد هذا: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) .
وفيما بين هذين هو السبب الذي أصار التوراة عندهم من تلك الدرجة إلى هذه
المتأخرة، وإنما فيما بين هذين لما قد أوجب رفع فهم القرآن عن القلوب حتى أنه
لم يبق منه فيما لديهم إلا نحو ما أحملت إليه التوراة بالرفع عنهم وما أثبت منها