ونفس المعنى في {وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ} [النجم: 60] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير {وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 61] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف:
{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ} [المطففين: 29] سماهم مجرمين
{كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [المطففين: 29 - 33] .
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان:
{فَالْيَوْمَ} [المطففين: 34] أي: يوم الحساب
{الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً
{عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 35 - 36] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: {فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَاعْبُدُواْ} [النجم: 62] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود {فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَاعْبُدُواْ} [النجم: 62] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.