ولما كان هذا الغرض من إثبات انفراد الله تعالى بالتصرف في الإِنسان بما يجده الناس في أحوال أنفسهم من خروج أسباب الضحك والبكاء عن قدرتهم تعين أن المراد: أضحك وأبكى في الدنيا ، ولا علاقة لهذا بالمسرة والحزن الحاصلين في الآخرة.
وفي الاعتبار بخلق الشيء وضده إشارة إلى دقائق حكمة الله تعالى.
وفي هذه الآية محسن الطباق بين الضحك والبكاء وهما ضدان.
وتقديم الضحك على البكاء لأن فيه امتناناً بزيادة التنبيه على القدرة وحصل بذلك مراعاة الفاصلة.
وموقع هذه الجملة في عطفها مثل موقع جملة {وأن سعيه سوف يرى} [النجم: 40] في الاحتمالين ، فإن كانت مما شملته صحف إبراهيم كانت حكاية لقوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 80] .
وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)
انتقل من الاعتبار بانفراد الله بالقدرة على إيجاد أسباب المسرة والحزن وهما حالتان لا تخلو عن إحداهما نفس الإِنسان إلى العبرة بانفراده تعالى بالقدرة على الإِحياء والإِماتة ، وهما حالتان لا يخلو الإِنسان عن إحداهما فإن الإِنسان أول وجوده نطفة ميتة ثم علقة ثم مضغة (قطعة ميتة وإن كانت فيها مادة الحياة إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها) ثم ينفخ فيه الروح فيصير إلى حياة وذلك بتدبير الله تعالى وقدرته.
ولعل المقصود هو العبرة بالإِماتة لأنها أوضح عبرة وللرد عليهم قولهم: {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] ، وأن عطف {وأحيا تتميم واحتراس كما في قوله: الذي خلق الموت والحياة} [الملك: 2] .
ولذلك قدم {أمات على أحيا} مع الرعاية على الفاصلة كما تقدم في {أضحك وأبكى} [النجم: 43] .
وموقع الجملة كموقع جملة {وأن سعيه سوف يرى} [النجم: 40] .
فإن كان مضمونها مما شملته صحف إبراهيم كان المحكي بها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله: {والذي يميتني ثم يحيين} [الشعراء: 81] .