فماذا كان من أمر إبراهيم في بلاد الشام؟ لقد وجد في مدينة حران، وهي من مدن بلاد الشام، قومًا يعبدون الكواكب فكيف أقام عليهم الحجة، وأظهر لهم أن هذه الكواكب مربوبة لله رب العالمين؟ إنه لم يرمهم بالجهل والكفر، ولم يقل لهم من البداية: إن هذه الكواكب لا تضر ولا تنفع، وإنها مربوبة لمن خلقها، إنما دخل معهم إلى معابدهم، وبزغ في كبد السماء كوكب الزهرة، فقال إبراهيم: {هَذَا رَبِّي} (الأنعام: 76) وما هي إلا ساعات حتى أفل هذا النجم، فلم يزد على أن قال: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام: 76) .
ثم بدا القمر مضيئًا في صفحة السماء، قال كما قالوا: {هَذَا رَبِّي} (الأنعام: 77) وما هي إلا ساعات حتى غاب القمر، فقال: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} (الأنعام: 77) فعرض بضلالهم دون أن يفصح عن ذلك، وأشرق الصبح وبدأت الشمس ترسل أشعتها فقال: {هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} (الأنعام: 78)
ومرت ساعات النهار وغابت الشمس، فلما أفلت كان قد تم له ما أراد، فإن الإله لا يغيب، وهناك إذًا الإله الذي يدبر هذه الكواكب، والذي أوجدها وأمدها بالضياء، لذلك قال: {يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 78) وأعلن لهم وجهته ومن يعبد فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: 79) .