وقد روى ابن عساكر عن عكرمة:"أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها -عليه السلام- فنادته: يا بني إني أريد أن أجيء إليك، فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم، فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلته اعتنقته وقبلته ثم عادت". {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} (الأنبياء: 70) ويقول الله في سورة"الصافات": {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} (الصافات: 98) فانظر إلى طريقة إبراهيم في دعوته، وكيف وجه أسئلته إلى قومه في أسلوب مقنع مهذب، إلى أن قال: {بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} (الأنبياء: 58) .
وتأمل في شجاعة إبراهيم في الحق، وهو يقسم أن يكيد لأصنامهم بعد أن يولوا مدبرين، ونفذ ما أقسم عليه بطريقة، أراد منها أن يجمع الناس ليقيم عليهم الحجة، وتم له ما أراد، وقدم ما أراد على طريقته في الإقناع، الذي حاصر كل دليل وأبطل كل ما اعتقدوه في أصنامهم، فقابلوا هذا بالقوة والغشم والتعدي على هذا الذي أراد لهم السعادة، فأوقدوا نارًا هائلة وألقوه فيها، وفي تسليم إبراهيم لأمر الله وفي ثقته في فضل الله درس عظيم للدعاة؛ ليعلموا أنهم إن
أخلصوا لله في الدعوة إليه، فإن الله حافظهم وناصرهم، والدروس في قصة إبراهيم كثيرة.
ولما نجاه الله من النار، ووجد أن أرض بابل لم تعد صالحة لغرس الإيمان، خرج مهاجرًا إلى أرض الشام، ومعه زوجه سارة وابن أخيه لوط، ولم تكن هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، إنما كانت لله ومن أجله، ولذلك قال الله على لسانه: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (العنكبوت: 26) وقال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الصافات: 99) ورغب في الولد ليحمل الرسالة معه ومن بعده، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (الصافات: 100، 101) ذلكم هو إسماعيل -عليه السلام- وكان من أمر إسماعيل ما ذكرته آيات الصافات، إلى أن فدى الله إسماعيل بذبح عظيم، ولصبره وحسن بلائه بشره الله بإسحاق نبيًّا من الصالحين.