وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى.
وهذا أبطل من القولين الأولين، فإنه قلب موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه، ولا يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة، وأما نحو: (ولهم اللعنة) فهي على بابها، أي نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها: لي درهم بمعنى علي درهم فكلا.
وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره: {وأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى} أو سُعي له وهذا أيضا من النمط الأول، فإنه حذف ما لا يدل السياق عليه بوجه وقول على اللّه وكتابه بلا علم.
وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله تعالى: {والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}
وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وهذا ضعيف أيضا، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ولا غيره أنها منسوخة، والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإن الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا
سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}
وقوله: {وأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى}
آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين.
ونظيره قوله تعالى: {مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}
فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:
أحدها: إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.