{كُلٌّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ} وجب {وَعِيدِ} لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة ، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع ، ولم يدمّره ، وكان من ملوك اليمن ، فسار بالجيوش ، وافتتح البلاد ، وقصد مكّة ليهدم البيت ، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّاً يحميه ، فندم وأحرم ، ودخل مكّة ، وطاف بالبيت ، وكساه ، فهو أوّل من كسا البيت {أَفَعَيِينَا بالخلق الأول} أي عجزنا عنه ، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني . {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو البعث .
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} يحدّثه قلبه ، فلا يخفى علينا أسراره ، وضمائره {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} أي أعلم به ، وأقدر عليه {مِنْ حَبْلِ الوريد} لأنّ أبعاضه ، وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً ، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء ، وحبل الوريد: عرق العنق ، وهو عرق بين الحلقوم ، والعلباوين ، وجمعه أوردة ، والحبل من الوريد وأُضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين ، قال الشاعر:
فقرت للفجار فجاء سعياً ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد
{إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان} أي يتلقّى ، ويأخذ الملكان الموكلان عليك ، وكَّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله ، ملكين بالليل ، وملكين بالنهار يحفظان عمله ، ويكتبان أثره ، إلزاماً للحجّة ، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات ، والآخر عن شماله يكتب السيّئات ، فذلك قوله سبحانه: {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ} ولم يقل: قعيدان . قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد ، وعن الشمال قعيد ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، كقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف
وقول الفرزدق:
إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور