ثم إن كفره في نفسه له جزاء، وصده لغيره عن الإيمان له جزاء آخر، لأنه ضَلَّ وأضل، ونفهم من كلمة {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ..} [محمد: 32] أن سبيل الله طريقٌ معتدل مستقيم يجذب الناس إليه بالمنطق المعتدل، وبحلو الكلام، وبالأسلوب الجميل الشيق الذي تلين له القلوب رغم غلظتها.
فطبيعي من الكافرين أنْ يقفوا على هذه الطريق يمنعون الناس عن الإيمان وعن سماع القرآن، لذلك حكى القرآن عنهم قولهم:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] فهم على يقين من أن سماع القرآن سيؤثر فيهم ويعطف قلوبهم إليه.
ولم يكتفوا بعدم السماع، إنما
{وَالْغَوْاْ فِيهِ ..} [فصلت: 26] شوِّشوا عليه حتى لا يصل إلى أسماع الآخرين، ذلك لأنهم أهل لغة وأهل فصاحة يتذوّقون الألفاظ والأساليب وينفعلون لها.
وقوله تعالى: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32] يعني: يبطلها ويجعلها غير ذات جدوى، ومعنى (أعمالهم) أي: أعمالهم في الصدِّ عن سبيل الله، أو أعمالهم الخيّرة التي فعلوها في الدنيا، ومن أعمالهم أنهم كانوا ينفقون الأموال؛ ليصدُّوا الناسَ بها عن الحق.
وفي هذا يقول الله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ..} [الأنفال: 36] .
فقد أنفقوا أموالهم دون فائدة أخذها الناسُ منهم وضحكوا عليهم، كما يحدث عندنا مثلاً في الانتخابات، يشترون الأصوات بالأموال، فيأخذ الناسُ الأموالَ ولا يعطونم أصواتهم لأنهم لا يستحقونها.
القسم الثاني من أعمالهم بعد المال هو القتال، والقتال له واقع في صراعهم مع الحق، والله يدعوهم: يا مَنْ تحملون السلاح لتشاقّوا الرسول، اعتبروا من الواقع الذي أمامكم:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} [الرعد: 41] ألم يروا أنَّ أرض الإسلام كلّ يوم في ازياد، وأرض الكفر كل يوم في انحسار ونقصان.
وفي بدر يقول سبحانه:
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ..} [الأنفال: 7] طائفة العير التي تحمل البضائع والأموال وكان حُراسها قليلين، وطائفة النفير التي خرجتْ لحماية القافلة والتي كان يقودها أبو سفيان.