وهو عن ابن عباس قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] .
وكان بعض السلف يخشى أن يكون ارتكاب الفواحش مبطلاً لثواب الأعمال الصالحة ويحمل هذه الآية على ذلك ، وقد قالت عائشة لما بلغها أن زيد بن أرقم عقد عقداً تراه عائشة حراماً: أخبروا زيداً أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يترك فعله هذا ولعلها أرادت بذلك التحذير وإلا فما وجهُ تخصيص الإحباط بجهاده وإنما علمتْ أنه كان أنفس عمل عنده.
وعن الحسن البصري والزهري: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي الكبائر.
ذكر ابن عبد البرّ في"الاستيعاب":"أن زيد بن أرقم قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة وغزوتُ منها معه سبع عشرة غزوة."
وهذه كلها من مختلف الأفهام في المعنيّ بإبطال الأعمال وما يبطلها وأحسن أقوال السلف في ذلك ما رويَ عن ابن عمر قال:"كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولاً حتى نزل {ولا تبطلوا أعمالكم} ، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فكففنا عن القول في ذلك وكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها"أ هـ.
فأبان أن ذلك محامل محتملة لا جزم فيها.
وعن مقاتل {لا تبطلوا أعمالكم} بالمنّ وقال: هذا خطاب لقوم من بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا ، يمنون عليه بذلك فنزلت فيهم هذه الآية ونزل فيهم أيضاً قوله تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تَمنّوا علي إسلامكم} [الحجرات: 17] .