وحرف الاستقبال هنا لتحقيق حصول الإحباط في المستقبل وهو يدل على أن الله محبط أعمالهم من الآن إذ لا يعجزه ذلك حتى يترصد به المستقبل ، وهذا التحقيق مثل ما في قوله في سورة يوسف {قال سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف: 98] .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)
اعتراض بين جملة {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول} [محمد: 32] ، وبين جملة {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتُوا وهم كفار} [محمد: 34] وُجه به الخطاب إلى المؤمنين بالأمر بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتجنب ما يبطل الأعمال الصالحة اعتباراً بما حكي من حال المشركين في الصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم
فوصف الإيمان في قوله: {يا أيها الذين آمنوا} مقابل وصف الكفر في قوله: {إن الذين كفروا} [محمد: 32] ، وطاعة الله مقابل الصدّ عن سبيل الله ، وطاعةُ الرسول ضد مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم والنهي عن إبطال الأعمال ضد بطلان أعمال الذين كفروا.
فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم التي أمروا بها هي امتثال ما أمَر به ونهَى عنه من أحكام الدين.
وأما ما ليس داخلاً تحت التشريع فطاعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه طاعة انتصاح وأدب ، ألا ترى أن بريرة لم تطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراجعة زوجها مُغيث لما علمتْ أن أمره إياها ليس بعزم.
والإبطال: جعل الشيء باطلاً ، أي لا فائدة منه ، فالإبطال تتصف به الأشياء الموجودة.
ومعنى النهي عن إبطالهم الأعمالَ: النهي عن أسباب إبطالها ، فهذا مهيع قوله: {ولا تبطلوا أعمالكم} .
وتسمح محامِله بأن يشمل النهي والتحذير عن كل ما بيَّن الدِينُ أنه مبطل للعمل كلاًّ أو بعضاً مثل الردة ومثل الرياء في العمل الصالح فإنه يبطل ثوابه.