فإذا كشف الله لنا عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى ، عن طريق كلامه - لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضاً - فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم. نتلقاها كما هي فلا نزيد عليها ولا ننقص منها. لأن المصدر الوحيد الذي نتلقى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة. وليس هنالك مصدر آخر نتلقى عنه مثل هذه الأسرار!
ومن هذا النص القرآني ، ومن نصوص سورة الجن ، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه ، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجن ، ومن الآثار النبوية الصحيحة عن هذا الحادث ، نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن.. ولا زيادة..
هذه الحقائق تتلخص في أن هنالك خلقاً اسمه الجن. مخلوق من النار. لقول إبليس في الحديث عن آدم: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} . وإبليس من الجن لقول الله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} . فأصله من أصل الجن.
وأن هذا الخلق له خصائص غير خصائص البشر. منها خلقته من نار ، ومنها أنه يرى الناس ولا يراه الناس ، لقوله تعالى عن إبليس - وهو من الجن -: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} وأن له تجمعات معينة تشبه تجمعات البشر في قبائل وأجناس. للقول السابق: {إنه يراكم هو وقبيله...} وأن له قدرة على الحياة في هذا الكوكب الأرضي - لا ندري أين - لقوله تعالى: لآدم وإبليس معاً: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} والجن الذين سخروا لسليمان عليه السلام كانوا يقومون له بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزودين بالقدرة على الحياة فيها.