{وآتيناهم بينات من الأمر} ..
فكان ما أوتوه من الشريعة بينا حاسماً فاصلاً ، لا غموض فيه ولا لبس ولا عوج ولا انحراف ؛ فلم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف في هذا الشرع البين كما وقع منهم ؛ وما كان هذا عن غموض في الأمر ، ولا كان عن جهل منهم بالصحيح من الحكم:
{فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} ..
إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم ، ونزاع وظلم ، مع معرفة الحق والصواب:
{بغياً بينهم} ..
وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض ، وبطل استخلافهم ، وأمرهم بعد ذلك إلى الله يوم القيامة:
{إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ..
ثم كتب الله الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد ، يرد إلى شريعة الله استقامتها ، وإلى قيادة السماء نصاعتها ؛ ويحكم شريعة الله لا أهواء البشر في هذه القيادة:
{ثم جعلناك على شريعة من الأمر ؛ فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} ..
وهكذا يتمحض الأمر. فإما شريعة الله. وإما أهواء الذين لا يعلمون. وليس هنالك من فرض ثالث ، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة ؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون!
والله سبحانه يحذر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون ، فهم لا يغنون عنه من الله شيئاً. وهم يتولون بعضهم بعضاً. وهم لا يملكون أن يضروه شيئاً حين يتولى بعضهم بعضاً ، لأن الله هو مولاه:
{إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض. والله ولي المتقين} ..
وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعين سبيل صاحب الدعوة وتحدده ، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل:
{ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين} ..