فلما لم يكن مجال للريب في أنه تعالى هو الإله الحق أعقب هذا الاستدلال بجملة {إن كنتم موقنين} بطريقة إثارة التيقظ لعقولهم إذ نزلهم منزلة الْمَشْكُوككِ إيقانُهم لعدم جريهم على موجب الإيقان لله بالخالقية حين عبدوا غيره بأنْ أُتي في جانب فرض إيقانهم بطريقة الشرط ، وأُتي بحرف الشرط الذي أصله عدم الجزم بوقوع الشرط على نحو قوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إنْ كنتم قوماً مسرفين} [الزخرف: 5] .
وقرأ الجمهور {رب السماوات} برفع {ربُّ} على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو من حذف المسند إليه لمتابعة الاستعمال في مثله بعد إجراء أخبار أو صفات عن ذات ثم يردف بخبر آخر ، ومن ذلك قولهم بعد ذكر شخص: فتًى يفعل ويفعل.
وهو من الاستئناف البياني إذ التقدير: إن أردت أن تعرفه فهو كذا.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بجر {رب} على أنه بَدَلٌ من قوله: {ربِّك} [الدخان: 6] .
وحذف متعلق {موقنين} للعلم به من قوله: {رب السماوات والأرض وما بينهما} .
وجواب الشرط محذوف دل عليه المقام.
والتقدير: إن كنتم موقنين فلا تعبدوا غيره ، ولذلك أعقبه بجملة {لا إله إلا هو} [الدخان: 8] .
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
جملة {لا إله إلا هو} نتيجة للدليل المتقدم لأن انفراده بِرُبوبيَة السماوات والأرض وما بينهما دليل على انفراده بالإلهية ، أي على بطلان إلهية أصنامهم فكانت هذه الجملة نتيجة لذلك فلذلك فصلت لشدة اقتضاء الجملة التي قبلها إياها.