استئناف لبيان ما يكون في مجالس أُنسهم من شرابهم بعد ذكر مطاعمهم، والكأس في اللغة: الإناء وفيه شرابه، فإن كان فارغًا يقال: إناءٌ أو قدح، وتطلق - أيضًا - على
الخمر مجازا، وهو المراد هنا -، والمعين: الماء الجاري الظاهر للعيون، وكذلك تجري الخمر في الجنة كما قال - تعالى: {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} .
ولم تعين هذه الآية من يطوف عليهم بالكأس، وقد بين الله الطائفين في قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) } وقوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) } كما بينت السنة الصحيحة: أن أطفال المشركين ممن يطوف على أَهل الجنة، لخدمتهم.
وقد وصفت بأنها بيضاء، وبأنها لذة لشاربيها, ولتمام لذتها وصفت بها فكأنها نفس اللذة وعينها مبالغة.
وهي لا غائلة فيها، فلا تؤثر في شاربيها باغتيال عقولهم كما في خمر الدنيا، من غاله يغوله: إذا أفسده وأَهلكه. والمراد هنا: نفى أن يكون فيها ضرر أصلًا {وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} أي: يسكرون، كما روى عن ابن عباس وغيره، من نُزِف الشارب إذا سكر، ويقال للسكران: نزيف ومنزوف، وعدى الفعل بعن بمعنى باء السببية، أي: ولا هم بسببها يسكرون، وأفرد هذا الفساد بالنفي مع اندراجه فيما قبله من نفي الغَوْل عنها لأَنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه، وصرْفُ الله السُّكر عن أهل الجنة، لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم.
48، 49 - {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} : المعنى: وعندهم نساء عفيفات قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم: قاله ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب وغيرهم، كناية عن فرط محبتهن لأزواجهن، وعدم ميلهن إلى سواهم. وقيل: المعنى: ذابلات الجفن مِراضُه، وما أجمل ذبول الأجفان في النساء وقد كثر التغزل بذلك قديمًا وحديثًا ومنه قول ابن الأزدي:
مَرضَت سَلْوتِي وَصَحَّ غرامي .... من لحاظ هُنَّ المِراضُ الصحاح