وقيل: جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فما حالهم بعد حفظ السماء عنهم؟ فقال: (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) قرأ الجمهور: بسكون السين وتخفيف الميم، وقرئ بتشديدهما والأصل يتسمعون فالأولى تدل على انتفاء سماعهم دون استماعهم، والثانية تدل على انتفائهما وفي معنى الأولى قوله تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون) قال مجاهد: كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون، واختار الثانية أبو عبيدة قال لأن العرب لا تكاد تقول سمعت إليه، وتقول تسمعت إليه، وكان ابن عباس يقرأ مخففة وقال: إنهم كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون.
(ويقذفون من كل جانب
دحوراً) أي يرمون من كل جانب من جوانب السماء ونواحيها وجهاتها بالشهب إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع،
والدحور الطرد، تقول: دحرته دحراً ودحوراً طردته، قرئ يقذفون مبنياً للمفعول وللفاعل، وهي غير مطابقة لما هو المراد من النظم القرآني، وقيل: دحوراً أي مدحورين، وقيل: هو جمع داحر نحو قاعد وقعود فيكون حالاً، وقيل: إنه مصدر لمقدر أي يدحرون دحوراً.
وقال الفراء: إن المعنى يقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذفت الباء فانتصب بنزع الخافض، قرأ الجمهور دحوراً بضم الدال، وقرئ بفتحها، واختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل المبعث أو بعده، فقال بالأول طائفة وبالآخر آخرون، وقالت طائفة بالجمع بين القولين إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رمياً يقطعها عن السمع، ولكن كانت ترمى وقتاً ولا ترمى وقتاً آخر وترمى من جانب ولا ترمى من جانب آخر ثم بعد المبعث رميت في كل وقت ومن كل جانب حتى صارت لا تقدر على استماع شيء.
(ولهم عذاب واصب) أي دائم لا ينقطع والمراد به العذاب في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب، وقال مقاتل: يعني دائماً إلى النفخة الأولى، والأول أولى.