ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً وقدّم قصة نوح عليه السلام لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله {رب انصرني بما كذبون} [المؤمنون: 26] أو قوله {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} [نوح: 26] واللام الداخلة على {نعم} جواب قسم محذوف أو لبتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في {فلنعم} دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة. والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب. وفي قوله {هم الباقين} بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا. روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث. فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي {سلام على نوح} ومعنى {في العالمين} أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة. ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن. ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً. وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال {ثم أغرقنا الآخرين} أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 552 - 564}