وكان هذا العرض"عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ"ليحملنها وخص اللّه تعالى هذه الثلاثة دون غيرها لكمال شدتها وصلابتها فامتنعن لأنهن وإن كن في غاية القوة إلا أن أمانه اللّه فوق ذلك ، ولهذا حكى حالهن بقوله"فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها"خوف الإضاعة فيكنّ قد خنّها لأن حملها عبارة عن خيانتها لتحقق عدم القيام بها كما يريده اللّه وأن عدم القيام بأوامره خيانة كالإقدام على نواهيه"وَأَشْفَقْنَ مِنْها"خفن من أن لا يقمن بها فلا يؤدينها كما أراده اللّه منهن فيلحقهن عذابه وينلهن عقابه"وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ"لفظ عام في آدم وغيره إلى قيام القيامة ، فالإنسان المركب من اللحم والدم والعظم على ما هو عليه في غاية الضعف بالنسبة لتلك أقدم على حملها مع وهنه ، وتلك الأجرام العظيمة أبت أن تقدم على حملها ، وما ذلك إلا لأنه كما ذكر اللّه"إِنَّهُ كانَ"ت (32)
ولم يزل"ظَلُوماً"لنفسه"جَهُولًا" (72) لخطأه جهولا لما يراد منه جهولا بعاقبته إلا من وفقه اللّه لرشده.
هذا ولما كان ما من عموم إلا وخص منه البعض فإن الأنبياء والكاملين من خلق اللّه مستثنون من ذلك ، لأنهم هم الآمرون الناهون بلسان اللّه تعالى.