ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول الله ما حاق بهم يوم بدر من قَتْل وأسْر وتشريد ، وقلنا: إن عمر رضي الله عنه وما أدراك ما عمر ، فقد كان القرآن ينزل على وَفْق رأيه ، ومع ذلك لما نزلت:
{سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] تعجب وقال: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ، ونحن عاجزون حتى حماية أنفسنا ، فلما كانت بدر ، ورأى ما رأى قال: صدق الله {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45]
وقوله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ...} [الروم: 60] الوعد: هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن ، وفَرْق بين الوعد بالخير من إنسان ، والوعد من الله تعالى ، فوَعْدكَ قد يختلف لأنك ابن أغيار ، ولا تملك كل عناصر الوفاء بالوعد ، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه ، أو تراه لا يستحق ... إلخ .
إذن: الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة ، وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدتَ .
لذلك يعلمنا الحق سبحانه أنْ نحتاط لهذا الأمر ، فيقول سبحانه: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ...} [الكهف: 23 - 24] فاربط فِعْلك بمشيئة الله التي تُيسِّر لك الفعل ، ولا ينبغي أنْ تجزم بشيء أنتَ لا تملك شيئاً من أسبابه .
قلنا: هَبْ أنك قلتَ: سألقاك غداً في المكان الفلاني ، وسأعطيك كذا وكذا ، فأنت قلتَ هذه المقولة ووعدتَ هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد ، ولا تضمن أنْ يعيش صاحبك ، وإنْ عِشْتُما لغد فقد يتغير رأيك ، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء ، إذَن: فقولك إنْ شاء الله يحميك أنْ تُوصف بالكذب في حالة عدم الوفاء ؛ لأنك وعدتَ ولم يشأ الله ، فلا دخلَ لك في الأمر .
فالوعد الحق يأتي ممَّنْ؟ مِنَ الذي يملك كُلَّ أسباب الوفاء ، ولا يمنعه عنه مانع .