فلا بُدَّ أنْ يكونوا من أهل الثبات على المبدأ الذين لا تزعزعهم الشدائد ، والدليل على ذلك أنهم يُؤذّوْن ويُضطهدون فيصبرون ، وهذه أهم صفة فيمن يُعدُّ لتحمُّل الأمانة .
لذلك نقول: إذا رأيتَ منهجاً أو مبدأ يغدق على أصحابه أولاً ، فاعلم أنه مبدأ باطل ؛ لأن المبدأ الحق يضحي أهله من أجله بأنفسهم وبأموالهم ، يعطونه قبل أنْ يأخذوا منه ، لماذا؟ لأن صاحب المبدأ الباطل لن يجد مَنْ يناصره على باطله إلا إذا أغراهم بالمال أولاً واشترى ذممهم ، وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل ، ويحمله على اتباعه؟ إذن: لا بد أن يقبض الثمن أولاً .
أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مُؤجَّل للآخرة ، فهو ممنَّى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها ، فتهون عليه نفسه ، ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ .
وفي رحلة الدعوة ، رأينا الكثيرين يتساقطون بالردة عندما تَحْدثُ لرسول الله آية أو هزة تهزُّ الناس ، وكأن الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء ، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله .
فالله يقول لنبيه: اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك ، فنحن مُؤيدوك ، ولن نتخلى عنك ، وقد وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت على جهرهم وبيَّتوا لك في الخفاء فانتصرتَ على تبييتهم ، واستعانوا حتى بالجن ليفسدوا عليك أمرك ، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم .
إذن: فاطمئن ، فنحن لهم بالمرصاد ، ولن نُسْلِمك أبداً ، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من العقاب في الدنيا ، وتراه بعينك ، أو في الآخرة بعد موتك: {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] .