وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60] خف الشيء: لم يَعُدْ له ثِقَل ، واستخفّ غيره: طلب منه أنْ يكون خفيفاً ، فمثلاً حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه . واستخفّه مثل استفزّه يعني: حرّكة وذبذبة من ثباته ، فإنْ كان قاعداً مثلاً هَبَّ واقفاً .
لذلك نقول في مثل هذه المواقف (خليك ثقيل . . فلان بيستفزك يعني: يريد أنْ يُخرجك عن حلمك وثباتك . . متبقاش خفيف . . إلخ) ونقول للولد (فز) يعني قِفْ انهض ، ومنه قوله تعالى {واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ...} [الإسراء: 64]
إذن: فالمعنى استخفه: حمله على الخفة وأن يتحول عن الثبات الذي هو عليه .
فالمعنى: إياك يا محمد أنْ يستقزّك القوم ، أو يُخرجوك عن ثباتك ، فتتصادم معهم ، لكن ظلّ على ثباتك في دعوتك ولا تقلق ؛ لأن الله وعدك بالنصرة ووَعْد الله حَقٌّ . والحق سبحانه ساعة يُرخِى العنان لمن كفر به إنما يريد أنْ يُخرِج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر ، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا ، والباقي سيرونه في الآخرة .
والله يقول: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173] .
ومن سيرة الإمام علي - رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه - علمنا أنه ابتُلي بجماعتين: الخوارج الذين يُكفِّرونه ، والشيعة الذين يُؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة ، حتى صدق فيه قول رسول الله:"هلك فيك اثنان: مُحب غالٍ ، ومبغض قَالٍ".