وتقدم شيء من هذا في المعنى عند قوله تعالى: {يَتَخافتون بَيْنهُم إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشراً نَحْنُ أعْلَم بِمَا يَقُولون إذْ يَقُول أمْثَلهم طَرِيقَة إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يوماً} في سورة طه (103 ، 104) .
وبلغ من ضلالهم في ذلك أنهم يُقسمون عليه ، وهذا بعدَ ما يجري بينهم من الجدال من قول بعضهم: {إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشْراً} وقول بعضهم: {إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يَوْماً} ، وقول آخرين: {لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعْض يَوْم} [الكهف: 19] وبعض اليوم يصدق بالساعة ، كما حكي عنهم في هذه الآية.
والظاهر أن هذا القسم يتخاطبون به فيما بينهم كما اقتضته آية سورة طه ، أو هو حديث آخر أعلنوا به حين اشتد الخلاف بينهم لأن المصير إلى الحلف يؤذن بمشادة ولجاج في الخلاف.
وفي قوله: {السَّاعَة} و {ساعة} الجناس التام.
وجملة {كذلك كانوا يؤفكون} استئناف بياني لأن غرابة حالهم من فساد تقدير المدة والقسم عليه مع كونه توهماً يثير سؤال سائل عن مثار هذا الوهَم في نفوسهم فكان قوله {كذلك كَانُوا يُؤْفَكُون} بياناً لذلك.
ومعناه: أنهم لا عجب في صدور ذلك منهم فإنهم كانوا يجيئون بمثل تلك الأوهام مدة كونهم في الدنيا ، فتصرفهم أوهامهم عن اليقين ، وكانوا يقسمون على عقائدهم كما في قوله: {وأقْسَموا بالله جَهْدَ أيْمَانِهم لاَ يَبْعَث الله مَنْ يَمُوت} [النحل: 38] استخفافاً بالأيمان ، وكذلك إشارة إلى انصرافهم عن الحق يوم البعث.
والمشار إليه هو المشبه به والمشبه محذوف دل عليه كاف التشبيه ، والتقدير: إفكاً مثل إفكهم هذا كانوا يُؤفكون به في حياتهم الدنيا.
والمقصود من التشبيه المماثلة والمساواة.
والإفك بفتح الهمزة: الصرف وهو من باب ضرب ، ويُعدى إلى الشيء المصروف عنه بحرف (عن) ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: {ليقولُنّ الله فأنَّى يُؤْفَكون} في سورة العنكبوت (60) .