{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالابصار يُقَلّبُ الله الليل والنهار إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً لأوْلِى الأبصار} [النور: 3 4و 44] لأن الأبصار الأول جمع بصر والأبصار الثاني مراد به ما هو جمع بصيرة ، وتعقب بأنه وإن كان الإبصار الثاني مراد به ما هو جمع بصيرة إلا أنه ليس من باب الحقيقة بل بطريق المجاز والاستعارة لأن البصيرة ما تجمع على أبصار بل على بصائر ، فقد قال علماء العربية: إن صيغة أفعال من جموع القلة لا تطرد إلا في اسم ثلاثي مفتوح الفاء كبصر وأبصار أو مكسورها كعنب وأعناب أو مضمومها كرطب وأرطاب ساكن العين كثوب وأثواب أو محركها كما تقدم وكعضد وأعضاد وفخذ وأفخاذ ، وصيغة فعائل من جموع الكثرة لا تطرد إلا في اسم رباعي مؤنث بالتاء أو بالمعنى ثالثه مدة كسحابة وسحائب وبصيرة وبصائر وحلوبة وحلائب وشمال وشمائل وعجوز وعجائز وسعيد علم امرأة وسعائد فاستعيرت الأبصار للبصائر يجامع ما بينهما من الإدراك والتمييز.
وقد سمعت أن هذا النوع لا يكون بين حقيقة ومجاز فليحفظ {كذلك} أي مثل ذلك الإفك {كَانُواْ} أي في الدنيا {يُؤْفَكُونَ} أي يصرفون عن الصدق والتحقيق ، والغرض من سوق الآية الإغراق في وصف المجرمين بالتمادي في التكذيب والإصرار على الباطل أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة فسوق الكلام للتعجب من اغترارهم بلامع السراب والغرض أن يحقر عندهم مافيه من التمتعات وزخارف الدنيا كي يقلعوا عن العناد ويرجعوا إلى سبيل الرشاد فكأنه: قيل مثل ذلك الإفك العجيب الشأن كانوا يؤفكون في الدنيا اغتراراً بما عدده ساعة استقصاراً والصارف لهم هو الله تعالى أو الشيطان أو الهوى ، وأياً ما كان فليس ذاك إلا لسوء اختيارهم وخباثة استعدادهم ، وفي الآية على أحد الأقوال دليل على وقوع الكذب في الآخرة من الكفرة.
واستدل بها بعضهم على نفي عذاب القبر ، وليس بشيء.