وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره أن النَّبِي لما رأى السَّحَاب قَالَ هَذِه روايا الأرض يَسُوقهَا الله إلى قوم لَا يشكرونه وَلَا يذكرُونَهُ فالسحاب حَامِل رزق الْعباد وَغَيرهم الَّتِي عَلَيْهَا ميرتهم وَكَانَ الْحسن إِذا رأى السَّحَاب قَالَ فِي هَذَا وَالله رزقكم وَلَكِنَّكُمْ تحرموه بخطاياكم وذنوبكم"."
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي قَالَ:
"بَينا رجل بفلاة من الأرض إِذْ سمع صَوتا فِي سَحَابَة اسْقِ حديقة فلَان فَمر الرجل مَعَ السحابة حَتَّى أتت على حديقة فَلَمَّا توسطتها أفرغت فِيهَا ماءها، فَإِذا بِرَجُل مَعَه مسحاة يسحي المَاء بهَا فَقَالَ: مَا اسْمك يَا عبد الله؟"
قَالَ فلَان للاسم الَّذِي سَمعه فِي السحابة""
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا تَأَمَّلت السَّحَاب الكثيف المظلم كَيفَ ترَاهُ يجْتَمع فِي جو صَاف لَا كدورة فِيهِ، وَكَيف يخلقه الله مَتى شَاءَ وَإِذا شَاءَ وَهُوَ مَعَ لينه ورخاوته حَامِل للْمَاء الثقيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، إِلَى أن يَأْذَن لَهُ ربه وخالقه فِي إرسال مَا مَعَه من المَاء فيرسله وينزله مِنْهُ مقطعا بالقطرات كل قَطْرَة بِقدر مَخْصُوص اقتضته حكمته وَرَحمته فيرش السَّحَاب المَاء على الأرض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قَطْرَة مِنْهَا بأخرى، وَلَا يتَقَدَّم متأخرها وَلَا يتَأَخَّر متقدمها وَلَا تدْرك القطرة صاحبتها فتمزج بهَا بل تنزل كل وَاحِدَة فِي الطَّرِيق الَّذِي رسم لَهَا لَا تعدل عَنهُ حَتَّى تصيب الأرض قَطْرَة قَطْرَة قد عينت كل قَطْرَة مِنْهَا لجزء من الأرض لَا تتعداه إِلَى غَيره، فَلَو اجْتمع الْخلق كلهم على أن يخلقوا مِنْهَا قَطْرَة وَاحِدَة أوْ يحصوا عدد الْقطر فِي لَحْظَة وَاحِدَة لعجزوا عَنهُ.
فَتَأمل كَيفَ يَسُوقهُ سُبْحَانَهُ رزقا للعباد وَالدَّوَاب وَالطير والذر والنمل يَسُوقهُ رزقا للحيوان الْفُلَانِيّ فِي الأرض الْفُلَانِيَّة بِجَانِب الْجَبَل الْفُلَانِيّ فيصل إليه على شدَّة من الْحَاجة والعطش فِي وَقت كَذَا وَكَذَا، ثمَّ كَيفَ أودعه فِي الأرض ثمَّ أخرج بِهِ أنواع الأغذية والأدوية والأقوات. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...