والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق اسم الفساد عليه سواء كان راجعاً إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات ، وتقاطعهم وتظالمهم وتقاتلهم ، أو راجعاً إلى ما هو من جهة الله سبحانه بسبب ذنوبهم كالقحط وكثرة الخوف والموتان ونقصان الزرائع ونقصان الثمار.
والبرّ والبحر هما المعروفان المشهوران.
وقيل: البرّ: الفيافي ، والبحر: القرى التي على ماء قاله عكرمة ، والعرب تسمي الأمصار: البحار.
قال مجاهد: البرّ: ما كان من المدن والقرى على غير نهر ، والبحر: ما كان على شط نهر.
والأوّل أولى.
ويكون معنى البرّ: مدن البرّ ، ومعنى البحر: مدن البحر ، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها.
والباء في {بما كسبت} للسببية ،"ما"إما موصولة أو مصدرية {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ} اللام متعلقة بظهر ، وهي لام العلة ، أي ليذيقهم عقاب بعض عملهم أو جزاء بعض عملهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عما هم فيه من المعاصي ويتوبون إلى الله.
{قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ} لما بين سبحانه ظهور الفساد بما كسبت أيدي المشركين والعصاة بيّن لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأوّل ، وأمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم ، فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار.
وجملة: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها ، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمته أسوته فيه ، كأن المعنى: إذا قد ظهر الفساد بالسبب المتقدّم فأقم وجهك يا محمد إلخ.