{الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء} عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين ، وأنه الخالق الرازق المميت المحيي ، ثم قال على جهة الاستفهام: {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء} ومعلوم أنهم يقولون ليس فيهم من يفعل شيئاً من ذلك ، فتقوم عليهم الحجة ، ثم نزّه سبحانه نفسه ، فقال: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي نزّهوه تنزيهاً ، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك ، وقوله: {من شركائكم} خبر مقدّم ومن للتبعيض ، والمبتدأ هو الموصول ، أعني: من يفعل ، و {من ذلكم} متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من {شيء} المذكور بعده ، ومن في: {من شيء} مزيدة للتوكيد ، وأضاف الشركاء إليهم ؛ لأنهم كانوا يسمونهم آلهة ، ويجعلون لهم نصيباً من أموالهم.
{ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس} بيّن سبحانه: أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم.
واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور ، فقيل: هو القحط وعدم النبات ، ونقصان الرزق ، وكثرة الخوف ونحو ذلك ، وقال مجاهد ، وعكرمة: فساد البرّ: قتل ابن آدم أخاه: يعني: قتل قابيل لهابيل ، وفي البحر: الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً.
وليت شعري أيّ دليل دلهما على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب ، فإن الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم ، والتعريف في الفساد يدلّ على الجنس ، فيعم كل فساد واقع في حيزي البرّ والبحر.
وقال السديّ: الفساد الشرك ، وهو أعظم الفساد.
ويمكن أن يقال: إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع المعاصي ، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه.
وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش.
وقيل: الفساد: قطع السبل والظلم ، وقيل: غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه.