قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ أي قل يا محمد لكفار قريش وأمثالهم، تأملوا فيما حدث في الأرض، لتشاهدوا مصداق ذلك، وتتحققوا صدقه. كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشوّ الشرك فيهم.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ أي وجّه نفسك للعمل بالدين المستقيم، البليغ الاستقامة وهو دين الإسلام. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ أي قبل يوم القيامة الذي لا يقدر أن يرده واحد فلا راد له ولا مانع منه. مِنَ اللَّهِ متعلق بفعل يَأْتِيَ ويجوز تعلقه بقوله مَرَدَّ على معنى: لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئة. يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يتصدعون، أي يتفرقون بعد الحساب، فريق في الجنة، وفريق في السعير.
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي فعليه وبال كفره وهو النار المؤبدة. يَمْهَدُونَ يوطئون منزلهم ويسوونه في الجنة. لِيَجْزِيَ علة ليمهدون، أو ليصدعون، متعلق به. والاقتصار على
جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات. مِنْ فَضْلِهِ أي يثيبهم من فضله، وهذا دليل على أن الإثابة تفضل محض. إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي يعاقبهم.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى سوء حال المشركين، والشرك سبب الفساد، بدليل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء 21/ 22] ذكر أن الفساد قد ظهر بين الناس، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وفشا الظلم، وكثرت الحروب، ثم نبههم وأمرهم بالمسير في الأرض، فينظروا كيف أهلك الأمم بسبب معاصيهم وإشراكهم، فإن الله تعالى أهلك قوما بسبب الشرك، وقوما بسبب المعاصي، والإهلاك قد يكون بالشرك، وقد يكون بالمعاصي، ثم أمر تعالى رسوله بالثبات في الدين الحق قبل مجيء الحساب الذي يتفرق فيه الناس: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كفر فعليه وبال كفره، ومن آمن وعمل صالحا فقد أعد لنفسه المهاد الذي يستريح عليه.
التفسير والبيان: