44 -كما قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ} بالله ورسوله في الدنيا {فَعَلَيْهِ} لا على غيره {كُفْرُهُ} ؛ أي: وبال كفره وجزاؤه، وهو النار المؤبدة، {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا} ؛ أي: وحد الله سبحانه، وعمل بالطاعة الخالصة بعد التوحيد {فَلِأَنْفُسِهِمْ} وحدها {يَمْهَدُونَ} ؛ أي: يسوون منزلًا في الجنة، ويفرشون ويهيئون له، وأصل المهد: إصلاح المضجع للصبي، ثم استعير لغيره، كما في"كشف الأسرار"ومن التمهيد: تمهيد المضاجع في القبور، فإنه بالعمل الصالح يصلح منزل القبر ومأوى الجنة، وتقديم الظرف في الموضعين: للدلالة على الاختصاص.
45 -ثم بين العلة في تفرقهم، فقال: {لِيَجْزِيَ} الله سبحانه {الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا به وبرسوله في الدنيا، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بامتثال المأمورات، وهي ما أريد به وجه الله تعالى ورضاه الجزاء الجميل، والأجر الجزيل {مِنْ فَضْلِهِ} وكرمه وإحسانه لا وجوبًا عليه، وهو متعلق بـ {يجزي} ، وهو متعلق بيصدعون؛ أي: يتفرقون بتفريق الله تعالى فريقين، ليجزي كلًّا منهما بحسب أعمالهم، فيجازي المؤمنين بالحسنى من فضله، فيكافئ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف إلى ما شاء الله من المنح والعطايا.
وقال ابن عطية: ومقابله محذوف لدلالة ما بعده عليه، تقديره: ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله، والكافرين بعدله.
وحيث كان جزاء المؤمنين هو المقصود بالذات، أبرز ذلك في معرض الغاية، وعبر عنه بالفضل، لما أن الإثابة عند أهل السنة بطريق التفضل، لا بطريق الوجوب، كما عند المعتزلة.
وأشار إلى جزاء الفريق الآخر بقوله: {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} به وبرسوله؛ أي: إنه يبغضهم ولا يرضى أعمالهم، وذلك يستدعي عقابهم، ولا يخفى ما في ذلك من تهديد ووعيد.
وروي أن الله سبحانه، أوحى إلى موسى عليه السلام:"ما خلقت النار بخلًا منى، ولكن أكره أن أجمع أعدائي وأوليائي في دار واحدة". نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزلنا دار أوليائه، ونستعيذ به أن يدخلنا دار أعدائه، مع أحبابنا وأحبائنا، وجميع المسلمين. آمين.