وفي آية أخرى: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا ...} [الأنعام: 11] والمعنى: سيروا في الأرض للاستثمار ، وطلب القوت ، وقضاء المصالح ، لكن لا يفوتكم النظر والتأمل في آيات الله وفي مخلوقاته لتأخذوا منها العبرة والعظة .
ومعنى: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ ...} [الروم: 42] أي الذين ظهر الفساد بينهم ، فأذاقهم الله الألم بما كسبتْ أيديهم ، فهذه ليست عندك وحدك ، إنما حدثتْ في الأمم السابقة ، كما قال سبحانه: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] .
فهناك مدائن صالح والأحقاف وعاد وثمود والفراعنة . . إلخ انظر ما حلَّ بهم بعد الحضارة والنضارة ، بعد ما توصلوا إليه من علم التحنيط الذي لم يعرف العلم أسراره حتى الآن ، ويضعون مع جثث الموتى حبوب القمح أو الشعير ، فتظل على حالها ، بحيث إذا زُرِعت بعد آلاف السنين تنبت .
إنها قدرة علمية فائقة ، ومع ذلك ما استطاعت هذه الحضارة أن تحمي نفسها من الاندثار ، وإذا كان القرآن قد قال عن الحضارة الفرعونية {وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد} [الفجر: 10] فقد قال عن إرم {التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد} [الفجر: 8] .
فأيُّ حضارة هذه؟ وأين هي الآن؟ طمرتها رمال الأحقاف ، ودفنتها تحت أطباق الثرى ، ولا تعجب من ذلك ، ففي هذه المنطقة إنْ هبَّتْ عاصفة واحدة ، فإنها تغطي قافلة كاملة بجمالها ورجالها تحت الأرض ، فما بالك بالعواصف منذ قرون طوال ؛ لذلك نجد كل الآثار يتم التنقيب عنها حَفْراً .
إذن: فالحضارات مع عظمها لم تستطع أنْ تحمي نفسها من الزوال ، وهذا دليل على وجود قوة أعلى منها تزيلها وتقضي عليها .