فذكر البر والبحر لتعميم الجهات بمعنى: ظهر الفساد في جميع الأقطار الواقعة في البر والواقعة في الجزائر والشطوط ، ويكون الباء في قوله {بما كسبت أيدي الناس} للسببية ، ويكون اللام في قوله {ليذيقهم بعض الذي عملوا} لامَ العاقبة ، والمعنى: فأذقناهم بعض الذي عملوا ، فجُعلت لام العاقبة في موضع الفاء كما في قوله تعالى:
{فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً} [القصص: 8] ، أي فأذقنا الذين أشركوا بعض ما استحقوه من العذاب لشركهم.
ويجوز أن يكون المعنى أن الله تعالى خلق العالم على نظام مُحكم ملائم صالح للناس فأحدث الإنسان فيه أعمالاً سيئة مفسدة ، فكانت وشائجَ لأمثالها:
"وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجُه"
فأخذ الاختلال يتطرق إلى نظام العالم قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [التين: 4 6] ، وعلى هذا الوجه يكون محمل الباء ومحمل اللام مثل محملهما على الوجه الرابع.
وأطلق الظهور على حدوث حادث لم يكن ، فشبه ذلك الحدوث بعد العدم بظهور الشيء الذي كان مختفياً.
ومحمل صيغة فعل {ظهر} على حقيقتها من المضي يقتضي أن الفساد حصل وأنه ليس بمستقبل ، فيكون إشارة إلى فساد مشاهَد أو محقق الوقوع بالأخبار المتواترة.
وقد تحمل صيغة الماضي على معنى توقع حصول الفساد والإنذار به فكأنه قد وقع على طريقة {أتى أمر الله} [النحل: 1] .
وأيَّاً ما كان الفساد من معهود أو شامل ، فالمقصود أن حلوله بالناس بقدرة الله كما دل عليه قوله {ليذيقهم بعض الذي عملوا} ، وأن الله يقدر أسبابه تقديراً خاصاً ليجازي من يغضب عليهم على سوء أفعالهم.