فَرْق بين مَنْ يذهب إلى باريس لطلب العلم ، فتعترض طريقه إحدى الفتيات ، ومَنْ يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء ، فهذا وقع في المعصية رغماً عنه ، ودون ترتيب لها ، وهذا قصدها وسعى إليها ، الأول غالباً ما يُؤنِّب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية ، أما الآخر فقد ألِفَتْ نفسه المعصية واستشرتْ فيها ، فلا بُدَّ أن تكون له مناعة ، ليست من ذاته ، بل من المجتمع المحيط به ، على المجتمع أن يمنعه ، وأن يضرب على يديه .
والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعاً مثالياً لا يعرف المعصية ، بل تحدث منه المعاصي ، لكنها مُفرّقة على أهواء الناس ، فهذا يميل إلى السرقة ، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات ، وهذا يحب كذا . . إلخ .
إذن: ففي الناس مواطن القوة ، ومواطن ضعف ، وعلى القوي في شيء أن يمنع الضعيف فيه ، وأنْ يزجره ويُقومِّه ؛ لذلك يقول تعالى: {والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 1 - 3] .
فإذا عَمَّ الفساد وطَمَّ كما قال تعالى عن اليهود: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ...} [المائدة: 79] وفقد المجتمع أيضاً مناعته . فلا بُدَّ أنْ تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة ، لينقذ هؤلاء .
ثم يقول تعالى: {فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا ...} [الروم: 30] فنحن نرى البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض ، كذلك الحق سبحانه - وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية ، حتى في التكوين المادي .