هذه الآية تبين أثرا من آثار قدرته الباهرة التي تجلت في الآية السابقة في خلق السماوات والأرض، فإن القادر على خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر لا يعجزه إجراءُ الرزق على مخلوقاته.
والمعنى: الله القادر على ما ذكر هو الذي يبسط الرزق ويوسعه على من يشاء من عباده الذين يعلم من شأنهم أن البسط يصلحهم، وهو الذي يقدر الرزق ويضيقه على من يشاء من عباده الذين يعلم أن البسط يبطرهم، ويفسد أحوالهم، وحول هذا المعنى قال - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - عز وجل:"إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادى من"
{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) }
المفردات:
{رَكِبُوا} : الركوب، الاستعلاء على الشيء.
{الْفُلْكِ} : السفينة، يطلق على المفرد والجمع.
التفسير
65 - {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} :
تتصل هذه الآية بما قبلها من حيث إنها إقرار من المشركين بألوهية الله - عز وجل - واعتراف منهم بأنه - سبحانه - هو وحده القادر على رفع الضر، ودفع البلاء.
والمعنى: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة، ومخرت بهم في عرض البحر، ثم تعرضوا لخطر الغرق، وأيقنوا بالهلاك دعوا الله مخلصين له الدين مقرين بوحدانيته، معترفين بقدرته، فلما تجلى الله عليهم فنجاهم من الغرق إلى البر، وأنقذهم من الهلاك فاجئوا بالعودة إلى الشرك وعبادة الأصنام مجافين بذلك أوفى قواعد الإنصاف، فإن النفوس البشرية مفطورة على شكر من أجرى عليها رزقًا، أو استنقذها من مكروه، ولعمري إن الإيمان بالله أول موجبات الشكر، وأول مقتضيات الاعتراف بالفضل.
66 - {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} :