وسبق أنْ قُلْنا: إن صاحب الصَّنْعة في الدنيا يجعل معها كتالوجاً يُبيِّن طريقة صيانتها ، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي خلقك ، وهو الذي يُحدِّد لك هواك ، وأول فشل في الكون أن الناس المخلوقين لله يريدون أنْ يضعوا للبشر قانون صيانتهم من عند أنفسهم .
ونقول: هذا لا يصح ؛ لأن الذي يُقنِّن ويضع للناس ما يصونهم ينبغي أن تتوفر فيه شروط: أولها: أن يكون على علم محيط لا يستدرك عليه ، وأنت أيها الإنسان عِلْمك محدود كثيراً ما تستدرك أنت عليه بعد حين ، ويتبين لك عدم مناسبته وعدم صلاحيته .
بل وتبين أنت بنفسك فساد رأيك فترجع عنه إلى غيره ، كما يجب على مَنْ يشرِّع للناس الهوى الوحد أن يكونوا جميعاً بالنسبة له سواء ، وألا ينتفع هو بما يشرِّع ، وإلا لو كانت له منفعة فإنه سوف يميل إلى ما ينفعه ، فلا يكون موضوعياً كما رأينا في الشيوعية وفي الرأسمالية وغيرها من المذاهب البشرية .
والحق - سبحانه وتعالى - هو وحده الذي لا يُستْدرك عليه ؛ لأن علمه محيط بكل شيء لا تخْفى عليه خافية ، والخَلْق جميعاً الذين يشرع لهم أمامه سواء ، وكلهم عباده ، لا يحابي منهم أحداً ، ولا يميز أحداً على أحد ، وليس له سبحانه من خَلْقه صاحبة ولا ولد .
لذلك يطمئننا سبحانه بقوله: {وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} [الجن: 3] .
وكأن الله تعالى يقول: اطمئنوا ، فربّكم ليس له صاحبة تُؤثِّر عليه ، ولا ولد يُحابيه ، فالصاحبة والولد نقطة الضعف ، وسبب الميْل في مسألة التشريع .
وكذلك هو سبحانه لا ينتفع بما يُشرِّعه لنا ، لأنه سبحانه خلقنا بقدرته ، وهو الغني عنَّا لا تنفعه طاعة الطائعين ، ولا تضره معصية العاصي ، إذن: فهو سبحانه وحده المستكمل لشروط التشريع ، والمستحق لها سبحانه ، وبيان الهوى الواحد الذي يجتمع عليه كل الخَلْق .