فماذا فعل الكفار حينما عبدوا الأصنام؟ جعلوا الجماد الذي هو أدنى المخلوقات أرقاها وأعظمها ، جعلوه إلهاً يُعْبد ، وهل هناك أقلّ عقلاً من هؤلاء؟
لذلك يقول الحق سبحانه: {بَلِ اتبع الذين ...} .
اتبعوا اهواءهم: لأنهم اختاروا عبادة مَنْ لا منهجَ له ولا تكليف ، عبدا إلهاً لا أمر له ولا نهي ، لا يرتب على التقصير عقوبة ، ولا على العمل ثواباً ، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه .
إياك أن تُقدِّم الهوى على العقل ؛ لأنك حين تُقدِّم الهوى يصير العقل عقلاً تبريرياً ، يحاول أنْ يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته ، لكن بالعقل أولاً حدِّد الهوى ، ثم اجعل حركة حياتك تبعاً له .
والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه ، لكن الهوى الواحد غير مذموم ، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة ؛ لأن الهوى الواحد في القلب يُجنِّد القالب كله لخدمة هذا الهوى ، فحين يكون هواى أنْ أذهب إلى مكان كذا ، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية ، فيحدد الطريق ، ويُعد الزاد ، ويأخذ بأسباب الوصول .
وهذا الهوى هو المعنيّ في الحديث الشريف:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه وتحبه ؛ لأن ذلك الهوى يُعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة .
أما حين تتعدد الأهواء فَلَك محبوب ، ولي محبوب آخر ، فإنها لا شكَّ تتعارض وتتعاند ، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه ، وأن تتعاضد لا تتعارض ، وأن تتضافر لا تتضارب ؛ لأن تضارب الأهواء يُبدِّد حركة الحياة ويضيع ثمرتها .
أمّا إنْ كان هواي هو هواك ، وهو هوى ليس بشرياً ، إنما هوى رسمه لنا الخالق - عز وجل - فسوف نتفق فيه ، وتثمر حركة حياتنا من خلاله {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14] .