وما قُلْناه في غريزة الجنس نقوله في الطعام والشراب ، الحيوان محكوم فيها بالغريزة المطلقة التي لا دَخْلَ للهوى فيها ، فإذا شبع لا يأكل مهما حاولتَ معه ، بل ونرى الحمار الذي نقول عنه إنه حمار لا يأكل عوداً واحداً بعد شِبَعه ، ويمر على النعناع الأخضر مثلاً أو على الملوخية فلا يأكلها ، ويذهب إلى الحشائش اليابسة ، فهو يعرف طعامه بالغريزة التي جعلها الله فيه .
أما الإنسان فيأكل حتى التُّخْمة ، ثم لا ينسى بعد ذلك الحلو والبارد والمهضم . . الخ ذلك ؛ لأنه أسير لشهوة بطنه ، حتى إن من الناس مَنْ يغضب ؛ لأنه شبع فهو يريد ألاَّ يفارق المائدة .
وقد حدثنا رجال حديقة الحيوان بعد زلزال 1992 أنهم شاهدوا هياجاً في الحيوانات المحبوسة في الأقفاص قبل حدوث الزلزال ، كان أولها الوطواط ، ثم الزرافة ، ثم التمساح ، ثم القرود ، ثم الحمير ، وكأنهم يريدون تحطيم الأقفاص والخروج منها ، بعدها حدث الزلزال .
وكذلك ما شاهده أهل أغادير بالدار البيضاء قبل الزلزال الذي وقع بها ، حيث شاهدوا الحمير تفك قيودها ، وتفرّ هاربة إلى الخلاء ، وبعدها وقع الزلزال . إذن: لدى هذه الحيوانات استشعار بالزلزال قبل أن يقع .
وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - مثالاً لهذه الغريزة في قصة الغراب الذي علَّم الإنسان كيف يُواري الميت ، فقال تعالى في قصة وَلَدَيْ آدم: {فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ...} [المائدة: 31] .
نعود إلى حديثنا عن أجناس الكون لبيان عدم عَقْل هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء ، فأجناس الوجود: الإنسان ، ثم الحيوان ، ثم النبات ، ففيه حياة ونمو ، ثم الجماد أقل الموجودات درجة ، وهو خادم للنبات وللحيوان وللإنسان ، فكل جنس من هذه يخدم الجنس الأعلى منه .