هذه الآية كلام وارد للرد على المشركين، وإبطال اقتراحهم، وتسفيه رأيهم، روى عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتف قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كفى بقوم حمقا وضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم، إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم) فنزلت.
والمعنى: أقصَّر هذا الكتاب ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك القرآن تستمر على تلاوته بينهم، وقراءته فيهم في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابتة خالدة لا تزول كما تزول كل الآيات غيره بعد زمانها، كما أنها تكون في مكان دون مكان؟. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إن في ذلك القرآن الكريم الذي تعم آيته الزمان والمكان إلى آخر الدهر لنعمة عظيمة لا يقدر قدرها، وتذكرة بالغة لقوم يطلبون الإيمان، ويحرصون على تحصيله.
وقيل: أولم يكف اليهود حجة عليهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك؟
{وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} : اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} فقيل، إنه راجع إلى العذاب الذي استعجلوه، وقيل: راجع إلى أجل العذاب والأول أظهر؛ لأن العذاب هو موضع استعجالهم، وإذا كان المراد به عذاب بدر فالمراد من إتيانه بغتة وهم لا يشعرون: أنه لا يكون بطريق التعجيل عند استعجالهم، بل يأتيهم وهم قارون آمنون لا يخطرونه بالبال، كدأب بعض العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتًا وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون.
وقال آخرون: إتيانه بغتة وهم لا يشعرون من حيث إنه غير متوقع لهم أن يغلبوا يوم بدر؛ لأنهم لغرورهم كانوا لا يتوقعون غلبة المسلمين ولا تخطر لهم ببال.
54 - {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ... } الآية:
تكرار استعجالهم العذاب لبيان غاية تجهيلهم وسفه عقولهم.
والمعنى: ويستعجلونك بالعذاب إمعانًا في الجهل، وإغراقًا في العناد وركاكة في التفكير {وإن جهنم} التي هي مكان العذاب الذي لا عذاب فوقه {المحيطة} بهم لكفرهم ومعاصيهم المحيطة بهم.