والحق سبحانه تكفَّل لك برزقك ، إنما جعل للرزق أسباباً وكل ما عليك أنْ تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل بالك هماً في موضوعه ، وإيالك أن تظن أن السَّعْي هو مصدر الرزق ، فالسعي سبب ، والرزق من الله ، وما عليك إلا أنْ تتحرى الأسباب ، فإنْ أبطأ رزقك فأرحْ نفسك ؛ لأنك لا تعرف عنوانه ، أمّا هو فيعرف عنوانك وسوف يَأتيك يطرق عليك الباب .
والذي يُتعب الناس أنْ يظل الواحد منهم مهموماً لأمر الرزق مُفكِّراً فيه ، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفَّل برزقه لاستراح ، فإنْ أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى .
ونذكر هنا قصة عروة بن أذينة وكان صديقاً لهشام بن عبد الملك بالمدينة قبل أنْ يتولى هشامٌ الخلافة ، فلما أصبح هشام أميراً للمؤمنين انتقل إلى دمشق بالشام ، أما عروة فقد أصابته فاقة ، فلما ضاق به الحال تذكّر صداقته القديمة لهشام ، وما كان بينهما من وُدٍّ ، فقصده في دمشق علَّه يُفرِّج ضائقته .
جاء عروة إلى دمشق واستأذن على الخليفة فأذن له ، فدخل وعرض على صاحبه حاجته وكله أمل في أنْ ينصفه ويجبر خاطره ، لكن هشاماً لم يكن مُوفّقاً في الردِّ على صديقه حيث قال: أتيتَ من المدينة تسألني حاجتك وأنت القائل:
لَقد عَلمْتِ ومَا الإِسْرافُ مِنْ خُلُقي ... أنَّ الذي هُو رِزْقي سوفَ يَأْتِيني
فقال عروة بعد أن كسر صديقه بخاطره: جزاك الله عني خيراً يا أمير المؤمنين ، لقد نبَّهتَ مني غافلاً ، وذكَّرتَ مني ناسياً ، ثم استدار وخرج .
وعندها أدار هشام الأمر في نفسه وتذكّر ما كان لعروة من وُدٍّ وصداقة ، وشعر بأنه أساء إليه فأنَّبه ضميره ، فاستدعى صاحب الخزانة ، وأمر لعروة بعطية كبيرة ، وأرسل بها مَنْ يلحق به .