لكن كلما وصل الرسول إلى (محطة) وجد عروة قد فارقها حتى وصل إلى المدينة ، ودقَّ على عروة بابه ، وكان الرسول لَبِقاً ، فلما فتح عروة الباب قال: ما بكم؟ قال: رسل هشام ، وتلك صِلَة هشام لك لم يَرْضَ أنْ تحملها أنت خوفاً عليك من قُطاع الطريق ، أو تحمل مؤونة حَمْلها ، فأرسلنا بها إليك .
فقال عروة: جزى الله أمير المؤمنين خيراً ، قولوا له لقد ذكرت البيت الأول ، ولو ذكرت الثاني لأرحتَ واسترحتَ ، لقد قلت:
لَقد عَلمْتِ ومَا الإِسْرافُ مِنْ خُلُقي ... أنَّ الذي هُو رِزْقي سوفَ يَأْتِيني
أَسْعى إِليْهِ فَيْعْييني تطلبّه ... ولَوْ قَعَدْتُ أتَاني لا يُعنِّينَي
ثم يقول سبحانه بعد هذا المثل: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] أي: نُبيِّنها إلا إليها ، ومعنى {يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] من العقل ، وسُمِّي عقلاً ؛ لأنه يعقل صاحبه ويقيده عما لا يليق .
والبعض يظن أن العقل إنما جُعل لترتع به في خواطرك ، إنما هو جاء ليقيد هذه الخواطر ، ويضبط السلوك ، يقول لك: اعقل خواطرك وادرسها لا تنطلق فيها على هواك تفعل ما تحب ، بل تفعل ما يصح وتقول ما ينبغي . إذن: ما قصَّرنا في البيان ولا في التوضيح .
ويتجلَّى دور العقل المجرد وموافقته حتى للوحي في سيرة الفاروق عمر رضي الله عنه ، وفي وجود رسول الله ، وهو ينزل عليه الوحي يأتي عمر ويشير على رسول الله بأمور ، فينزل الوحي موافقاً لرأي عمر ، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يلفت أنظارنا إلى أن العقل الفطري إذا فكَّر في أمر بعيداً عن الهوى لا بُدَّ أنْ يصل إلى الصواب وأنْ يوافق حقائق الدين ، أمّا إنْ تدخَّل الهوى فسد الفكر .