إنكم لم تقبلوا ذلك مع مواليكم وهم بشر أمثالكم ملكتموهم بشرع الله فائتمروا بأمركم . هذا معنى {مِّنْ أَنفُسِكُمْ ...} [الروم: 28] أي: من البشر ، فهم مثلكم في الآدمية ، وملكيتكم لهم ليست مُطْلقة ، فأنتم تملكون رقابهم ، وتملكون حركة حياتهم ، لكن لا تملكون مثلاً قتلهم ، ولا تملكون منعهم من فضاء الحاجة ، لا تملكون قلوبهم وإرادتهم ، ثم هو مُلْك قد يفوتك ، كأن تبيعه أو تعتقه أو حتى بالموت . ومع ذلك ما اتخذتموهم شركاء ، فعَيْب أنْ تجعلوا لله ما تستنكفون منه لأنفسكم .
ونلحظ هنا أن الله تعالى لم يناقشهم في مسألة الشركاء بأسلوب الخبر منه سبحانه ، إنما اختار أسلوب الاستفهام وهو أبلغ في تقرير الحقيقة: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ...} [الروم: 28] .
وأنت لا تعدل عن الخبر إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك ، فمثلاً حين ينكر شخصٌ جميلَك فتقول مُخبراً: فعلتُ معك كذا وكذا ، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب ، وقد ينكر فيقول: لا لم تفعل معي شيئاً .
أما حين تقول مستفهماً: ألم أفعل فعل كذا وكذا؟ فإنك تُلجئه إلى واقع لا يملك إنكاره ، ولا يستطيع أنْ يفرّ منه ، ولا يملك إلا أنْ يعترف لك بجميلك ولا أقلَّ من أنْ يسكت ، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت .
لذلك يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ ...} [الروم: 28] لا بدّ أنْ يقولوا: لا ليس لنا شركاء في أموالنا ، إذن: لماذا جعلتم لله شركاء؟