وإقامة الوجه: تقويمه وتعديله باتجاهه قبالة نظره غير ملتفت يميناً ولا شمالاً.
وهو تمثيل لحالة الإقبال على الشيء والتمحض للشغل به بحال قصر النظر إلى صوب قبالته غير ملتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً ، وهذا كقوله تعالى {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادْعُوه مخلصين} [الأعراف: 29] وقوله حكاية عن إبراهيم {إني وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 79] وقوله تعالى {فقل أسلمتُ وجهي لله} [آل عمران: 20] ، أي أعطيته لله ، وذلك معنى التمحيض لعبادة الله وأن لا يلتفت إلى معبود غيره.
والتعريف في {الدين} للعهد وهو دينهم الذي هم عليه وهو دين الإسلام.
و {حنيفاً} يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر في فعل {أقم} فيكون حالاً للنبي صلى الله عليه وسلم كما كان وصفاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى {إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً} [النحل: 120] ، وهذا هو الأظهر في تفسيره.
ويجوز كونه حالاً من الدين على ما فسر به الزجاج فيكون استعارة بتشبيه الدين برجل حنيف في خلوّه من شوائب الشرك ، فيكون الحنيف تمثيلية وفي إثباته للدين استعارة تصريحية.
وحنيف: صيغة مبالغة في الاتصاف بالحَنَف وهو الميْل ، وغلب استعمال هذا الوصف في الميل عن الباطل ، أي العدول عنه بالتوجه إلى الحق ، أي عادلاً ومنقطعاً عن الشرك كقوله تعالى {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وقد مضى في سورة البقرة (135) .
وفطرة الله بدل من {حنيفاً} بدل اشتمال فهو في معنى الحال من {الدين} أيضاً وهو حال ثانية فإن الحال كالخبر تتعدد بدون عطف على التحقيق عند النحاة.
وهذا أحسن لأنه أصرح في إفادة أن هذا الدين مختص بوصفين هما: التبرؤ من الإشراك ، وموافقتُه الفطرة ، فيفيد أنه دين سمح سهل لا عنت فيه.