وإن بعضهم ليفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين. فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم ، مخالفاً كل ما قاله فيهم وهو في مكة! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه. فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم ، ولم ينحرف عن دين الله.
وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات.
{وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ، ونحن له مسلمون} ..
وإذن فلا حاجة إلى الشقاق والنزاع ، والجدل والنقاش. وكلهم يؤمنون بإله واحد ، والمسلمون يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إلى من قبلهم ، وهو في صميمه واحد ، والمنهج الإلهي متصل الحلقات.
{وكذلك أنزلنا إليك الكتاب. فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ، ومن هؤلاء من يؤمن به ، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} ..
"كذلك". على النهج الواحد المتصل. وعلى السنة الواحدة التي لا تتبدل. وعلى الطريقة التي يوحي بها الله لرسله {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب} .. فوقف الناس بإزائه في صفين: صف يؤمن به من أهل الكتاب ومن قريش ، وصف يجحده ويكفر به مع إيمان أهل الكتاب وشهادتهم بصدقه ، وتصديقه لما بين أيديهم.. {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} .. فهذه الآيات من الوضوح والاستقامة بحيث لا ينكرها إلا الذي يغطي روحه عنها ويسترها ، فلا يراها ولا يتملاها! والكفر هو التغطية والحجاب في أصل معناه اللغوي ، وهو ملحوظ في مثل هذا التعبير.
{وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك. إذن لارتاب المبطلون} ..
وهكذا يتتبع القرآن الكريم مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها. فرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بينهم فترة طويلة من حياته ، لا يقرأ ولا يكتب ؛ ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب الذي يعجز القارئين الكاتبين. ولربما كانت تكون لهم شبهة لو أنه كان من قبل قارئاً كاتباً. فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم؟