ولذلك عقب بجملة {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ،} أي نفصل الدلائل على الاعتقاد الصحيح تفصيلاً كهذا التفصيل وضوحاً بيناً ، وجملة {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الروم: 24] استئناف ابتدائي.
والقوم الذين يعقلون هم المتنزهون عن المكابرة والإعراض ، والطالبون للحق والحقائق لوفرة عقولهم ، فيزدادَ المؤمنون يقيناً ويؤمنَ الغافلون والذين تروج عليهم ضلالات المشركين ثم تنكشف عنهم بمثل هذه الدلائل البينة.
وفي ذكر لفظ {قوم} وإجراء الصفة عليه إيماء إلى أن هذه الآيات لا ينتفع بها إلا من كان العقل من مقومات قوميته كما تقدم في قوله تعالى {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164) ، وتقدمت له نظائر كثيرة.
والقول في إيثار وصف العقل هنا دون غيره من أوصاف النظر والفكر كالقول فيما تقدم عند قوله {ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً} إلى قوله {يعقلون} [الروم: 24] .
وفي هذا تعريض بالمتصلبين في شركهم بأنهم ليسوا من أهل العقول ، وليسوا ممن ينتفعون كقوله تعالى {وما يَعْقِلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] وقوله {ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنْعِق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} [البقرة: 171] .
وقوله {كذلك} تقدم نظيره في قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} [البقرة: 143] .
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)
إضراب إبطالي لما تضمنه التعريض الذي في قوله {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} [الروم: 28] إذ اقتضى أن الشأن أن ينتفع الناس بمثل هذا المثل فيُقلع المشركون منهم عن إشراكهم ويَلِجُوا حظيرة الإيمان ، ولكنهم اتبعوا أهواءهم وما تسوله لهم نفوسهم ولم يطلبوا الحق ويتفهموا دلائله فهم عن العلم بمنأى.
فالتقدير: فما نفعتهم الآيات المفصلة بل اتبعوا أهواءهم.