ولا تنافي بين المجمل والمفصل. على أن في قوله في التوراة:"أن يثرو قال لبناته: ادعونه يأكل خبزاً، فحلف موسى أن يسكن معه وأخذ سافور بنته زوجة"معنى ما فصله القرآن، إذ معناه: أن يثرو عزم على موسى وأقسم عليه أن يسكن معه.
وهذا قريب في العرف من قوله (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) فإن الناس جرت عادتهم أنه إذا ورد عليهم غريب، فظهرت منه النجابة والخير والخصال الحميدة والأفعال النافعة تمسكوا به وحسنوا له المقام عندهم، وعرضوا عليه المسكن
والسكن ليرتبط بذلك عليهم فينتفعون به وينتفع بهم.
وقد كان"يثرو"أحق الناس بمثل هذا لكبره، وكون بناته حرمات، ضعفى عن القيام بأمر الغنم، وقد كان الرعاة يستضعفونهن.
وأما قوله"كان اسم أبيهن يثرو (شعيب) فقد سبق جواب مثله عند قوله:"كان اسم أبي مريم أم المسيح يعقيم، لا عمران"وذلك أن الأسماء ألفاظ تختلف باختلاف اللغات، ومع اتفاق المسميات لا يضر اختلاف الأسماء."
ويدل على هذا ما ذكره"ويثمة بن موسى بن الفرات"
في كتاب"قصص الأنبياء"عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن زيد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب أن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا نسبه في التوراة ابن ميكاييل بن يشجر وبالسريانية بيروت بن جزى بن يشجر، وبالعربية شعيب بن جزى بن يشجر بن لاوى ابن يعقوب"."
قال:"وحدثني السرفي بن القطامي - وكان عالما بالأنساب - قال: هو يثرون بالعبرانية، وشعيب بالعربية من عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم".
فتبين بما ذكرناه أن هذا نزاع لفظي لا يقدح في حقائق المعاني، وأما ما ذكر من أن الاستئجار إنما كان في قصة زواج يعقوب لا موسى.
فجوابه: إن احتجاجك في هذا إنما هو بسكوت التوراة عن ذكره في قصة موسى على ما قد ثبت فيها من التحريف والتبديل والزيادة والنقص والتفاوت في النسخ بالنسبة إلى ما بأيديكم وأيدي اليهود وإلى ما في أيدي طوائف اليهود، وذلك استدلال بالسكوت الصرف والعدم المحض، والقرآن جاء بزيادة بيان فليس قدح التوراة في القرآن لمجيئه بالزيادة أولى من قدح
القرآن في التوراة لمجيئها بالنقص، فما المرجح لأحد القدحين على الآخر؟ على أن ما في القرآن أولى بالاعتبار لأنه أنسب بسياق القضية لمن تدبره، ولأنه أقرب عهدا بالظهور من التوراة، وأبعد عن التحريف والنقل من لغة إلى لغة، ومن ترجمة إلى ترجمة، والمسلمون أشد عناية بحفظه من أهل الكتابين بحفظهما.