ويُصوِّر بعض المفسرين هنا تصويراً لطيفاً جداً حيث يقول: انظر إلى مدى قدرة الله العجيبة وطلاقتها، حيث حمى موسى من فرعون الطاغية بسياجٍ أي بغشاءٍ وسورٍ شفافٍ رقراق من المحبة، ليس سوراً مسلحاً، ليس سوراً حديدياً، ليس سوراً مبنياً، ليس قصراً مشيداً، ولا حصناً منيعاً، وإنما شيءٌ رقيق لا يُرى بالعين ولا يُحس باليد، إنه سورٌ من المحبة، جسرٌ من الجمال ألقاه الله على موسى فغزا قلب فرعون، وقلب امرأة فرعون، وقلب ماشطة امرأة فرعون، وقلب من في بيت فرعون، فتربى موسى عليه السلام في بيت فرعون وعلى خلاف فرمان فرعون وقراره ورغم أنفه أعظم تربية وأحسن نشأة، ولكنه فيما يبدو تربى بعيداً عن أمه، أبداً"وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ"، والله العليم قال لأمه قبل أن تضعه في اليم"وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ"استعداداً لهذه الرحلة بغير أم وبغير ثدي وبغير رضاعة"أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ"فكان ما كان حتى دخل بيت فرعون، وهناك الله تعالى يُحرِّم عليه المراضع، فلا يقبل الطفل الصغير أي ثدي ولا أي لبنٍ يُقدم إليه، وكأنه شخصيةٌ كبيرةٌ لا يأكل إلا بشهوةٍ ولا يأخذ إلا عن اختيارٍ وانتقاء، لا يريد لا يريد لا يريد حتى جاءت أخته متخفيةً عنه فلم يشعروا بها فرأت حيرتهم في إرضاعه قالت لهم"هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ"، طبعاً فرحوا بهذا السؤال وبهذا العرض، نعم ائتنا بذلك"فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ"، الله، يجمع الله بينه وبين أمه وفرعون الغبي لم ينتبه لماذا هذه المرأة؟ لماذا هذه المرأة فقط يرضى لها؟ لم يسأل عنها، لم يبحث عنها إن كانت أمه أو غيرها، سبحان الله، فإذا ما وصلت إليه يفتح فاه ويلتقمها رضاعاً وحباً وحناناً يستلهم ما يستلهمه الطفل من أمه بشغفٍ ونهم"فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ"حيث قال لها في البداية"إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ".