في هذه السورة وقد انطلقت آياتها الكثيرة والغالبة في ذلك الزمان الأول تُصوِّر ما فعل الله في أمر موسى وفي بيت فرعون، حين يقضي الله قضاءً على خلاف هوى البشر، وعلى خلاف أحلامهم وطموحاتهم، وعلى خلاف ما قام من أجله سلطانهم، فإن فرعون كان قد أقام الدولة فوظفها وحشد الجند وشحذ القوة لقتل وذبح كل ذكرٍ من بني إسرائيل، وإذا بموسى وقد انطبقت عليه أوصاف القتلى ووجب - حسب القوانين الوضعية - قتله والآن فوراً، وإذا بالله تعالى يجعل هذا الوليد الصغير الذي لا حول له ولا قوة إلا بالله، جعله داخل صندوقٌ من الخشب ضعيفٌ أسيرٌ حبيس يغزو بيت فرعون لا دولة فرعون، ولا أسوار فرعون بل بيت فرعون، بل قلب امرأة فرعون، بل قلب فرعون نفسه"وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي"لمن؟ لكل من نظر إليه، فكان إذا نظر إليه فرعون أحبه فلا يستطيع الإقدام على قتله"وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"، ولا يملك فرعون أمام هذا القول لامرأته إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، تمام يا باشا، ويتم الأمر بإذن الله.