أي: وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب، ورأت رفضه للمراضع، وبحثهم عمن يرضعه، قالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي: يقومون بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أي: وهم لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وغذائه، ولا يقصرون فيما يعود عليه بالخير والعافية.
وقوله - سبحانه -: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ معطوف على كلام محذوف، والتقدير: فسمعوا منها ما قالت، ودلتهم على أمه، فرددناه إليها، كي يطمئن قلبها وتقر عينها برجوع ولدها إليها، ولا تحزن لفراقه.
ولتعلم أن وعد الله - تعالى - حق، أي: أن وعده - سبحانه - لا خلف فيه، بل هو كائن لا محالة.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة حق العلم، ولذا يستعجلون الأمور، دون أن يفطنوا إلى حكمته - سبحانه - في تدبير أمر خلقه.
وبذلك نرى هذه الآيات قد صاغت لنا بأبلغ أسلوب، جانبا من حياة موسى - عليه السلام - ، ومن رعاية الله - تعالى - له، وهو ما زال في سن الرضاعة.
ثم قص علينا - سبحانه - جانبا من حياة موسى - عليه السلام - بعد أن بلغ أشده واستوى، فقال - تعالى -:
[سورة القصص (28) : الآيات 14 إلى 21]
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)
وقوله - سبحانه - وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى بيان لجانب من النعم التي أنعم الله - تعالى - بها على موسى في تلك المرحلة من حياته.
ولَمَّا ظرف بمعنى حين. والأشد: قوة الإنسان، واشتعال حرارته من الشدة بمعنى القوة والارتفاع يقال: شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ولا واحد له من لفظه.
وقوله: وَاسْتَوى من الاستواء بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية والنهاية.
أي - وحين بلغ موسى - عليه السلام - منتهى شدته وقوته، واكتمال عقله، قالوا:
وهي السن التي كان فيها بين الثلاثين والأربعين.
آتَيْناهُ بفضلنا وقدرتنا حُكْماً أي: حكمة وهي الإصابة في القول والفعل، وقيل: النبوة.